سعيد حوي

1986

الأساس في التفسير

هي تغير الواقع المادي ، وترفع « الإنسان » في عالم الواقع إلى الآفاق التي لم يكن يطمح إليها الخيال ! ويذهب التهديد . ويتلاشى الوعيد . ويمضي الإيمان في طريقه . لا يتلفت ، ولا يتردد ، ولا يحيد . ويسدل السياق القرآني الستار على المشهد عند هذا الحد ولا يزيد . . إن روعة الموقف تبلغ ذروتها ، وتنتهي إلى غايتها . وعندئذ يتلاقى الجمال الفني في العرض ؛ مع الهدف النفسي للقصة على طريقة القرآن في مخاطبة الوجدان الإيماني بلغة الجمال الفني ، في تناسق لا يبلغه إلا القرآن . ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ . . نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون ، يمثل خطرا على نظام ملكهم وحكمهم ، لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان ، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان ، وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل . . ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها إنه لا يجتمع في قلب واحد ، ولا في بلد واحد ، ولا في نظام حكم واحد أن يكون الله رب العالمين ، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد يباشره بتشريع من عنده وقوانين . . فهذا دين وذلك دين . . ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة . بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم ، وجعل لهم فرقانا في تصورهم أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة ، وإنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين . فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ، ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون . . أو بتعبير آخر مرادف : من ربوبية فرعون ، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله . . وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده . فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله . . إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين ، وأن عدوهم على دين غير دينهم ، لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين . . فهو إذن من الكافرين . . وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل إلا بمثل هذا اليقين بشقيه : أنهم هم المؤمنون ، وأن أعداءهم هم الكافرون ، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين ، ولا ينقمون منهم إلا الدين .